السيد كمال الحيدري
280
دروس في التوحيد
التفريط ، كما وقع أصحاب النظريتين الأوليين " « 1 » . فالروايات الدالّة على نقد الجبر والتفويض والإرشاد إلى الأمر بين الأمرين ، كثيرة جدّاً نختار من بينها هذه المجموعة « 2 » : ما في صحيحة يونس بن عبد الرحمن عن أبي جعفر وأبي عبد الله ( عليهما السلام ) قالا : " إنّ الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليه ، والله أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون . قال : فسُئلا : هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة ؟ قالا : نعم أوسع ممّا بين السماء والأرض " « 3 » . حيث يشير النصّ صراحة إلى نفي نظرية المجبرة التي سلبت الله عدله ، ونفي نظرية المفوّضة التي سلبت الله سلطانه ، وتحدّث عن مسار ثالث . سئل الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن الجبر والقدر فقال : " لا جبر ولا قدر ولكن منزلة بينهما فيها الحقّ التي بينهما ، لا يعلمها إلّا العالم أو من علّمها إيّاه العالم " « 4 » . وغير ذلك مما يشاركها بالمضمون ذاته . تدلّ هذه الروايات وما يقع في سياقها ، على نتيجتين مهمّتين ، هما : النتيجة الأولى : أنّ الجبر والتفويض ليسا نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ، وعلى أساس هذه النتيجة ينفتح الطريق لخيار ثالث من الفعل هو الذي تمثّله نظرية الأمر بين الأمرين .
--> ( 1 ) محاضرات في أصول الفقه : ج 2 ، ص 83 . ( 2 ) تنظر هذه الروايات في : بحار الأنوار : ج 5 ، ص 4 - 167 ؛ الأصول من الكافي : ج 1 ، ص 155 - 160 ؛ التوحيد : ص 359 باب نفي الجبر والتفويض ؛ هداية الأمّة إلى معارف الأئمّة : ص 654 فما بعد ، ومواضع أُخرى في الكتاب . ( 3 ) الأصول من الكافي : ج 1 ، ص 159 ، ح 9 ؛ بحار الأنوار : ج 5 ، ص 51 ، ح 82 . ( 4 ) الأصول من الكافي ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 159 ، ح 10 .